
ينطلق فهم السلطة من أصول قانونية عامة وخاصة، مفادها أن مفهوم الدولة يقتضي حكماً وجود سلطة مركزية تحتكر السلاح، وتمتلك حصرياً قرار السلم والحرب. ويُعدّ هذا من البديهيات الدستورية التي لا تحتاج إلى نقاش ولا تقبل رأياً مخالفاً.
أما فهم المقاومة، فينطلق من الأصول القانونية العامة والخاصة نفسها، لكنه يرى أن مفهوم الدولة الذي يقتضي حكماً وجود سلطة مركزية، يجب أن يكون مكتمل المواصفات والعناصر، ومن أهمها السيادة الكاملة على أرض الوطن.
وعليه، فإن أي انتهاك للسيادة يفرض على السلطة والدولة، ومعهما المواطنين، واجب التكافل والتضامن الوطني من أجل استعادة هذه السيادة، بما يوفّر المقدّمة الضرورية لبناء الدولة وتشكيل سلطاتها.
وترى المقاومة أن إدارة الظهر عملياً من قبل السلطة لاستمرار الاحتلال ومواصلة انتهاك السيادة والذهاب إلى اعتماد حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم في ظل سيادة مُنتهكة، مُصادرة غير مفهومة ولا محمودة، ولا تستطيع أكثرية ما أن تغطيها إجرائياً لأنها مخالفة للأصول الدستورية والقانونية العامة والخاصة.
في ظل هذا التباين في الفهم، عمدت المقاومة إلى تسهيل قيام سلطة ذات فهم خاص للأولويات، وأبدت كل تعاون واستعداد للتوصل معها إلى فهم مُوحّد ووطني يعفي البلاد من كل منغّصات الاختلاف. فسلّمت للدولة ولسلطتها الدستوية بحقها المبدئي بحصرية السلاح بيدها وبحصرية قرار السلم والحرب عندها، واعتبرت أن هاتين الحصريتين لا بُدّ قبل الشروع في تطبيقهما، أن تُحسم حصرية السيادة الوطنية على أرض الوطن.
وسبب ذلك أن احتلال العدو للأرض الوطنية، والعجز الواضح للسلطة عن تحريرها أو استعادتها من دون شروط تنتقص من السيادة، يُوجب تلقائياً نشوء حق قانوني دولي وخاص، فضلاً عن الحق الإنساني والأخلاقي والوطني، للشعب كي يتصدى للاحتلال ويُقاومه حتى التحرير والجلاء الكامل عن أرض الوطن.
هذا الفهم لم تشأ السلطة اللبنانية أن تُصغي لأصحابه، مُبررة ذلك بأن المقاومة لم تستطع في المُواجهة الأخيرة مع العدو أن تتصدى له وأن تمنعه من التوغل والتمادي في العدوان.
وبدل أن تُناقش بخلفية وطنية حريصة وجهات النظر حول هذا الإدعاء، سارعت إلى مصادرة حق اللبنانيين الشرعي والدستوري والأخلاقي والوطني بمقاومة الاحتلال الصهيوني، وارتكبت خطأ، بل خطيئة كبرى مُشينة، حين ألزمت نفسها أمام الاحتلال بما يدّعيه ويضغط من أجل ابتزاز لبنان به، وهو نزع سلاح المقاومة الذي طالما تذرّع به العدو ليمتنع عن التزام وقف الأعمال العدائية وفق البند الأول غير المشروط بأي شيء آخر في إعلان إتفاق 27/11/2024 لوقف النار.
مفهوم الدولة الذي يقتضي حكماً وجود سلطة مركزية، لا يكتمل من دون حصرية السيادة
على كل الأرض
ولطالما أكدت المقاومة أن على العدو أن يلتزم بما عليه لتنفيذ بنود الاتفاق، من دون أي حق له بأن يشترط شروطاً على لبنان، وأن المقاومة تؤكد انفتاحها الإيجابي لمناقشة موضوع سلاحها مع الدولة اللبنانية في إطار استراتيجية وطنية شاملة للأمن والدفاع.
إلا أن القرار الحكومي المتسرع الذي صدر بتاريخ 5 آب 2025 وقضى بتنفيذ حصرية السلاح على الأرض اللبنانية، كان قراراً مشيناً وضع العربة أمام الحصان، وأذعن للمنطق الإسرائيلي المناور والرافض لتنفيذ ما عليه تنفيذه من بنود القرار لوقف إطلاق النار.
ولا تزال المقاومة، رغم ما فعلته الحكومة، تُؤكد على موقفها الواضح والقاطع، وتدعو إلى تصحيح الخطيئة الحكومية بتفاهم واقعي بين الحكومة والمقاومة التي لا يستطيع أحد مصادرة حقها الشرعي طالما هناك احتلال للأرض اللبنانية، إضافة إلى إعادة رسم أولويات للحكومة تضع الحصان أمام العربة حتى يسهل عليها أمر إدارة شأن البلاد.
أما استسهال الرضوخ للضغوط التي يمارسها العدو بشكل مُباشر، أو عبر نافذين دوليين وإقليميين بشكل غير مباشر، فلن يخدم مصلحة البلاد، ولن يُحقق مطالب اللبنانيين في إنهاء الاحتلال واستعادة السيادة وتضامن الجميع لحُسن إدارة الشأن الداخلي للبلاد.
أما الإدعاء بأن حصرية السلاح مبدأ تم اعتماده في الطائف، فهو إدعاء ناجم عن قصور في فهم اتفاق الطائف وتشويه مُتعمد لمقاصده. إذ إن وثيقة الوفاق الوطني التي أُقرت في الطائف ميّزت بين أمرين وأفردت لكُل منهما عنواناً خاصاً. تضمن العنوان الأول «بسط سلطة الدولة على كافة الأراضي اللبنانية المُحررة... وحل الميليشيات المُسلحة كافة»، فيما تضمن العنوان الثاني «تحرير الأرض اللبنانية المُحتلة من العدو الإسرائيلي»، ونص في هذه الفقرة على «اتخاذ كافة الوسائل اللازمة أو المُتاحة لتحرير الأرض من الاحتلال الإسرائيلي». واعتمدت كُل الحكومات التي تشكلت بعد اتفاق الطائف نصاً في بيانها الوزاري يُؤيد ذلك: «للبنانيين حقهم المشروع في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي»، واستمر ذلك حتى مع حكومة «الانقاذ والاصلاح» التي حاولت أن تتهرب من اعتماد نص صريح حول هذا الأمر، إلا أنها عادت واعتمدت نص «حق لبنان»، وكان ذلك كاشفاً عن السقف السياسي لتلك الحكومة في ظل الظروف المُواكبة.
وما فرض في الطائف اعتماد عنوانين هو التمييز بين الموضوعين: موضوع بسط سلطة الدولة في المناطق المحررة مع ما يقتضيه ذلك من حل الميليشيات التي كانت تتقاتل في ما بينها إبان الحرب الأهلية، وموضوع تحرير الأرض اللبنانية المُحتلة من الاحتلال الإسرائيلي والذي يلزمه الإقرار بشرعية المقاومة وسلاحها والاعتراف بالمهمة الوطنية التي تتصدى لها والتي ينبغي أن تحظى بتسهيلات عملانية لحركتها، وهو ما كان يحصل مع كل حكومات بعد الطائف، إلى أن تشكلت حكومة «الانقاذ والإصلاح» وسط الاضطراب الإقليمي الذي فرضه العدو الإسرائيلي في غزة ولبنان وسوريا ومُعظم دول المنطقة العربية.
أمر أخير لا بُدّ من الإشارة إليه في السياق، ويتصل بقرار السلم والحرب الذي يُصادره العدو الصهيوني اليوم من الحكومة، فيما يزعم البعض زوراً وتحريضاً أن المقاومة هي من تفعل ذلك.
فعندما يكون الأمر واضحاً وضوح الشمس لن نتوقف للتدليل على وضوحه. لكن ما ينبغي الإلتفات إليه هو أن المقاومة تحرص على أن يتحقق في لبنان سلمٌ حقيقي، لا أن يَفْرضَ عليه العدو استسلاماً تحت مسمّى السلم. وهذا ما يجب على الحكومة أن تلتفت إليه وتحرص على توفير إجماع وطني يقف خلفها لإنجاز مثل هذا السّلم المقبول.
ما أوردناه هو برسم الحكومة أولاً، وبرسم كل الحريصين على سيادة لبنان وأمنه واستقراره، فذكرّ لعل الذكرى تنفع المهتمين.
رئيس كتلة الوفاء للمقاومة